أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

82

العقد الفريد

وتقدمت سعد والرباب في أوائل الخيل ، فالتقوا بالقوم فلم يلتفتوا إليهم ، واستقبلوا النّعم ولم ينتظر بعضهم بعضا . ورئيس الرباب النعمان بن الحسحاس ، ورئيس بني سعد قيس بن عاثم ، وأجمع العلماء أن قيس بن عاصم كان رئيس بني تميم . فالتقى القوم ، فكان أول صريع النعمان بن الحسحاس ، واقتتل القوم بقية يومهم ، وثبت بعضهم لبعض حتى حجز الليل بينهم ، ثم أصبحوا على راياتهم ، فنادى قيس بن عاصم : يا آل سعد ! ونادى عبد يغوث : يا آل سعد ! قيس يدعو سعد بن زيد مناة ، وعبد يغوث يدعو سعد العشيرة ، فلما سمع ذلك قيس نادى : يا آل كعب ! فنادى عبد يغوث : يا آل كعب ! قيس يدعو كعب بن سعد ، وعبد يغوث يدعو كعب بن مالك ، فلما رأى ذلك قيس نادى : يا آل كعب مقاعس فلما سمعه وعلة بن عبد اللّه الجرمي - وكان صاحب لواء أهل اليمن - نادى : يا لمقاعس ! تفاءل به فطرح له اللواء ، وكان أول من انهزم ، فحملت عليهم بنو سعد الرباب فهزموهم ، ونادى قيس بن عاصم : يا آل تميم ، لا تقتلوا إلا فارسا فإن الرجّالة لكم ! ثم جعل يرتجز ويقول : لما تولّوا عصبا هواربا * أقسمت لا أطعن إلا راكبا « 1 » إن وجدت الطعن فيهم صائبا وقال أبو عبيدة : أمر قيس بن عاصم أن يتبعوا المنهزمة ويقطعوا عرقوب من لحقوا ولا يشتغلوا بقتلهم عن اتّباعهم فجزّوا دوابرهم ، فذلك قول وعلة : فدى لكم أهلي وأمي ووالدي * غداة كلاب إذ تجزّ الدّوابر « 2 » وسنكتب هذه القصيدة على وجهها . وحمى عبد يغوث أصحابه فلم يوصل إلى الجانب الذي هو فيه ، فألظّ « 3 » به مصاد بن ربيعة بن الحارث ، فلما لحقه مصاد طعنه فألقاه عن الفرس فأسره ، وكان مصاد قد أصابته طعنة في مأبضه « 4 » ، وكان عرقه

--> ( 1 ) العصب : جمع العصبة ، وهي الجماعة من الناس . ( 2 ) جزّ : قطع . ( 3 ) ألظ به : لازمه . ( 4 ) المأبض : باطن الركبة .